دراسة حديث تقتله الفئة الباغية: تحقيق وتخريج

١٨ رمضان ١٤٤٧ هـ 6 دقائق علوم الحديث

يتناول هذا المقال دراسة تفصيلية لحديث 'تقتله الفئة الباغية' المتعلق بالصحابي الجليل عمار بن ياسر رضي الله عنه، مستعرضاً آراء العلماء في صحة الحديث، واختلاف نسخ صحيح البخاري في إيراده، وتوجيهات الحفاظ لهذه الزيادة، مع التأكيد على تواتر الحديث وثبوته من طرق أخرى، وما يمثله من معجزات النبوة.

تقتله الفئة الباغية

هل يوجد من العلماء من تكلم في لفظ (تقتله الفئة الباغية

لقد ورد هذا الحديث عن النبي في شأن عمار بن ياسر رَضِيَ اللّٰهُ عَنْهُ، حيث قال النبي : (ويح عمار، تقتله الفئة الباغية، يدعوهم إلى الجنة، ويدعونه إلى النار).

وقد أجمع أهل السنة والجماعة على صحة هذا الحديث، وهو من علامات نبوة النبي . قال الإمام النووي رَضِيَ اللّٰهُ عَنْهُ في شرحه لصحيح مسلم: “هذا الحديث من معجزات النبوة، وفيه تصريح بأن عماراً تقتله الفئة الباغية، وأن الفئة التي تقتله هي الباغية، وقد قتلته فئة معاوية رَضِيَ اللّٰهُ عَنْهُ في وقعة صفين”.

وقد جاء في كتاب الله ما يؤيد وجوب الإصلاح بين الطوائف المتقاتلة في قوله تعالى: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا.

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

روى أبو بكر الخلّال في المنتخب من علله (131) قال : أخبرنا إسماعيل الصفّار، قال : سمعت أبا أمية محمد بن إبراهيم ، يقول : ‌سمعت ‌في ‌حلقة ‌أحمد بن حنبل ، ويحيى بن معين ، وأبي خيثمة ، والمعيطي ، وذكروا: ((تقتل عماراً الفئة الباغية)) . فقالوا : ما فيه حديث صحيح .

وقال أيضاً : سمعت عبد الله بن إبراهيم ، قال : سمعت أبي يقول : سمعت أحمد بن حنبل يقول : روي في عمّار : ((تقتله الفئة الباغية)) ثمانية وعشرون حديثاً ، ليس فيها حديث صحيح .

لكن نقل ابن رجب في الفتح 3/310 الكلام المتقدّم ثم قال : ((وهذا الإسناد غير معروف ، وقد روي عن أحمد خلاف هذا : قال يعقوب بن شيبة السدوسي في ((مسند عمّار)) من ((مسنده)) : سمعت أحمد بن حنبل سئل عن حديث النبي في عمّار: ((تقتلك الفئة الباغية)) فقال أحمد : كما قال رسول الله : ((قتلته الفئة الباغية)). وقال : في هذا غير حديث صحيح، عن النبي ، وكره أنْ يتكلم في هذا بأكثر من هذا . وقال الحاكم في ((تاريخ نيسابور)) : سمعت أبا عيسى محمد بن عيسى العارض -وأثنى عليه- يقول : سمعت صالح بن محمد الحافظ -يعني : جزرة- يقول : سمعت يحيى بن معين وعلي بن المديني يصحّحان حديث الحسن ، عن أمه ، عن أم سلمة : ((تقتل عمّاراً الفئة الباغية)) . انتهى كلام ابن رجب .

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رضي الله عنه في ((منهاج السنة النبوية)) (4/414) : ((الحديث ثابت في الصحيحين ، وقد صححه أحمد بن حنبل وغيره من الأئمة ، وإنْ كان قد روي عنه أنَّه ضعّفه فآخر الأمرين منه تصحيحه)).

فكما مرَّ أنَّ الحديث أخرجه الإمام البخاري في موضعين الموضع الأول : في (باب التعاون في بناء المسجد) برقم (447) ، والموضع الثاني : (باب مسح الغبار عن الرأس في سبيل الله) برقم (2812) وحصل اختلاف كبير في جملة: ((تقتله الفئة الباغية)) بين رواة الصحيح ونسخه وطبعاته ، فبعضهم أثبتها وبعضهم لم يذكرها ، ولو فصّلنا في ذلك لطال بنا المقام ، ولعلي أذكر طرفاً منه يوضّح المقصود، فقد جاء في نسخة اليونيني الموضع الأول أنَّها لم ترد في رواية أبي ذر الهروي والأصيلي ، وفي الموضع الثاني لم ترد عند أبي ذر فقط .

قال الحميدي في ((الجمع بين الصحيحين)) (2/ 462) : ((في هذا الحديث زيادة مشهورة لم يذكرها البخاري أصلاً في طريقي هذا الحديث ، ولعلها لم تقع إليه فيهما ، أو وقعت فحذفها لغرض قصده في ذلك . وأخرجها أبو بكر البرقاني ، وأبو بكر الإسماعيلي قبله ، وفي هذا الحديث عندهما : أنَّ رسول الله قال : ((ويح عمّار، تقتله الفئة ‌الباغية ، يدعوهم إلى الجنَّة ويدعونه إلى النّار)). قال أبو مسعود الدمشقي في كتابه : لم يذكر البخاري هذه الزيادة ، وهي في حديث عبد العزيز بن المختار، وخالد بن عبد الله الواسطي ، ويزيد بن زريع ، ومحبوب بن الحسن ، وشعبة ، كلهم عن خالد الحذّاء . ورواه إسحاق بن عبد الوهاب هكذا . وأمَّا حديث عبد الوهاب الذي أخرجه البخاري دون هذه الزيادة فلم يقع إلينا من غير حديث البخاري . هذا آخر معنى ما قاله أبو مسعود)).

أمّا ابن الأثير فقد أقرَّ قول الحميدي بعد أنْ نقل كلامه ، لكن ذكر أنَّها مثبتة عنده في الهامش فقال : ((وقد كتب في الهامش هذه الزيادة ، وصحّح عليها وجعلها في جملة الحديث ، وأنَّها من رواية أبي الوقت هكذا ، بإضافتها إلى الحديث ، وذلك في موضعين من الكتاب ، أولهما : في باب التعاون في بناء المسجد من كتاب الصلاة ، والثاني : في باب مسح الغبار عن النّاس في السبيل في كتاب الجهاد ، وما عدا هذه النسخة ، فلم أجد الزيادة فيها)). جامع الأصول (9/43) (6583).

وقال البيهقي في الدلائل (2/ 546): ((ورواه البخاري في الصحيح ، عن مسدد ، عن عبد العزيز ، إلا إنَّه لم يذكر قوله : تقتله ‌الفئة ‌الباغية)).

وقال ابن رجب في الفتح (3/ 305) : ((وقد وقع في بعض نسخ صحيح البخاري زيادة في هذا الحديث ، وهي : ‌تقتله ‌الفئة ‌الباغية)).

وقال الحافظ ابن حجر في الفتح (1/ 542) : ((وقع في رواية ابن السكن وكريمة وغيرهما ، وكذا ثبت في نسخة الصغاني التي ذكر أنَّه قابلها على نسخة الفربري التي بخطه زيادة … : ويح عمّار ‌تقتله ‌الفئة ‌الباغية يدعوهم … الحديث)) .

أمّا عن سبب فعل البخاري -عند من أسقط الزيادة من صحيح البخاري- فقد قال الحافظ في الفتح (1/245) : ((ويظهر لي أنَّ البخاري حذفها عمداً ، وذلك لنكتة خفية ، وهي أنَّ أبا سعيد الخدري اعترف أنَّه لم يسمع هذه الزيادة من النبي ؛ فدل على أنَّها في هذه الرواية مدرجة، والرواية التي بيّنت ذلك ليست على شرط البخاري ، وقد أخرجها البزار من طريق داود بن أبي هند ، عن أبي نضرة ، عن أبي سعيد ، فذكر الحديث في بناء المسجد وحملهم لبنة لبنة ، وفيه : فقال أبو سعيد : فحدثني أصحابي ، ولم أسمعه من رسول الله أنَّه قال : ((يا ابن سُميّة تقتلك الفئة الباغية)).

وأمّا البيهقي فقد ذكر سبباً آخر فقال : ((أخرجه البخاري عن إبراهيم بن موسى، عن عبد الوهاب دون هذه اللفظة ، وكأنَّه إنَّما تركها لمخالفة أبي نضرة، عن أبي سعيد عكرمة في ذلك)).

ولمن أراد مزيد بحث فليراجع رسالة لطيفة للشيخ أحمد معبد في هذا الشأن ، وقد انتهى فيها إلى ثبوت الزيادة ، في أكثر نسخ صحيح البخاري . وبكل حال فهي صحيحة أثبتت في الصحيح أم لم تثبت، فقد صحت من غير طريق وحديث ، بل عدّ الحديثَ كثيرٌ من أهل العلم من الأحاديث المتواترة ، قال ابن عبد البر في الاستيعاب (2/ 48) : ((وتواترت الآثار عن النبي أنَّه قال : ((تقتل عمّاراً الفئة الباغية)). وهذا من إخباره بالغيب وأعلام نبوته ، وهو من أصح الأحاديث)) ، وقال الذهبي السير (1/ 421) : ((وفي الباب عن عدة من الصحابة ، فهو متواتر)). وقال الحافظ ابن حجر في الإصابة (2/ 512) : ((تواترت الأحاديث عن النبي أنَّ عمّاراً ‌تقتله ‌الفئة ‌الباغية)).