رسالتي إليك.. افتح مركزا لتعليم القرآن
﷽
الحمد لله ربِّ العالمين والصَّلاة والسلام على سيد الأنبياء والمرسلين ﷺ وعلى آله وصحبه أجمعين. أمَّا بعد فهذه رسالةٌ إلى كل مستطيعٍ من أصحاب الأموال، أو المراكز والمناصب الذين منحها ﷲ تبارك وتعالى ﷻ لهم، وحمّلهم إياها، فأنزل نعمه بهم، ليبلوهم أيُّهم أحسن عملا!
اعلموا رحمني ﷲ وإياكم أنَّ خير عملٍ استسعي فيه، كتاب ﷲ تعالى، من حفظٍ وتحفيظٍ، وعلمٍ وتعليمٍ، وفقهٍ وتفسيرٍ، وقد صحَّ عن سيدنا رسول ﷲ ﷺ أنَّه قال: (خيركم من تعلّم القرآن وعلّمه)، قال سعد بن عبيدة : وأقرأ أبو عبد الرَّحمَن في إمرة عثمان رَضِيَ اللّٰهُ عَنْهُ حتى كان الحجّاج ، قال : وذاك الذي أقعدني مقعدي هذا. [يعني هذا الحديث]
وأهل القرآن أهل ﷲ وخاصته كما روي عن رسول ﷲ ﷺ، فهم الذين تَحفُّهم الملائكة وتتنزل عليهم السكينة وتغشى مجالسَهم الرحمة، ويذكرهم ﷲ ﷻ فيمن عنده .
هذا وإنَّ فضائل القرآن كثيرةٌ جمّةٌ عظيمةٌ، ألف فيها المؤلفون، وتوالى على سردها المصنّفون، وإنَّ فضل كلام ﷲ تعالى على غيره كفضل ﷲ ﷻ على خلقه.
فيا مَن أعانه ﷲ وأنعم عليه، وأجزل له وأفاض عليه، اضرب بسهمك وادلُ بدلوك لخدمة كتاب ربِّ العالمين، واختر لنفسك سبيلاً من ذلك يوصلك إلى ربك، لِينالَك شرفُ تعليم كِتاب ﷲ تعالى وخدمته، فينفعك عند ربِّك ﴿يَومَ لا يَنفَعُ مالٌ وَلا بَنونَ﴾ [الشعراء: ٨٨]
هذا وإنَّ لخدمة كتاب ﷲ تعالى أبواباً كثيرةً، وسُبُلاً شتى، يمكن للمسلم أنْ ينال شرف ذلك بسلوك أيٍّ منها.
ومنها إنشاء مراكز تحفيظ كتاب ﷲ تعالى وخدمته والعناية به، واستقبال طلاب العلم والعناية بالأجيال القادمة، إذ نحن وخاصةً في هذا العصر الذي انتشرت فيه الفِتن، وظهر فيه انتكاس القلوب، وكثرت فيه التقلُّبات، ولا ملاذَ لنا ولا عاصم إلا كتاب ﷲ تعالى والرجوع إلى شرْعِه .
وممّا له أهميةٌ في هذا الباب الوقف فإنَّ له مكانةً عظيمةً، ومنزلةً ساميةً، فهو ركنٌ من الأركان التي يتمُّ بها المحافظة على المجتمع المسلم؛ وذلك لِما يؤديه من وظائف هامّةٍ في إعانة المسلمين، وتقوية الإسلام، ولما يحقِّقُهُ الواقف من المثوبة الجارية له عند ﷲ ﷻ في يومٍ يفرُّ فيه المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه، لكلٍ امرئٍ منهم يومئذٍ شأن يُغنيه .
قال تعالى: ﴿ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ ﴾
وقال سبحانه: ﴿ وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ ﴾
ولذلك لَمَّا أنزل ﷲ تعالى: ﴿ لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ﴾ وسمِعها أبو طلحة رَضِيَ اللّٰهُ عَنْهُ قال لرسول ﷲ ﷺ: إن أحبَّ أموالي إليَّ بيرحاء، وقد جعلتها صدقةً لله ﷻ، أرجو برَّها وذخرها عند ﷲ ﷻ، فضعْها يا رسول ﷲ حيث تشاء . فقال رسول ﷲ ﷺ: بخ ذلك مالٌ رابحٌ، ذلك مالٌ رابحٌ… ثم أمره ﷺ أنْ يَضعها في الأقربين.
ولنقف عند قوله ﷺ: (بخ ذلك مالٌ رابحٌ، ذلك مالٌ رابحٌ) فينبغي لمن كان له قلبٌ وعقلٌ أنْ يقدم بين يديه شيئاً قبل انقطاع الأعمال، ونزول الآجال، وأنْ يحرص كل الحرص على أنْ لا ينقطع عمله بمجرد انقطاع أجله، وأنْ يكون له سهمٌ في نصر الإسلام ونفع المسلمين.
وفي هذا الجانب أمورٌ ينبغي مراعاتها على كل من كلَّفهُ ﷲ تعالى من هذا الشأن شيئاً وجعل له منه نصيباً: منها:
-
إخلاص النيّة لله تعالى والتجرّد عن إرادة غيره، والبعد عن خطفات الشيطان، وصوارفه عن ﷲ تعالى وحسن القصد، والإقبال على ما ينفع .
-
ومنها توظيف الكفاءات من المؤهلين، والابتعاد عن تصدير غير المؤهلين، فهي من فتن الزمان، ومحن العصر، وهي من القواصم التي أصابت أهل الإسلام في هذا الزمان، فهذا يُوظَّف لأجل معرفته ووجاهته، وذاك يُوظَّف لأجل قرابته، حتى أصبحت بعض الدوائر خاصةً بعوائل معروفةٍ، كثيرٌ منهم أبعد ما يكون عن الأمانة فضلاً عن العلم والديانة، حتى حصلت في واقعنا نتائج حديث رسول ﷲ ﷺ: حيث قال: (إذا ضُيّعت الأمانة فانتظر الساعة) قيل يا رسول ﷲ كيف إضاعتها، قال: (إذا وسّد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة)، فلمّا حدث ذلك كانت النتائج كما قال ﷺ حين يتخذ الناس رؤوساً جهالاً، قال ﷺ: (فسُئلوا فأفتوا بغيرِ عِلمٍ فضلُّوا وأضلوا)، وهذه من أعظم أُسس هدم الدين.
-
كما ينبغي الحرص على اختيار الناظر الثِّقة الخيِّرِ المأمون الحازم، الخبير في إدارة ما يُوكل إليه من هذه المهام كما قال تعالى: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾[القصص: ٢٦]، وأنْ يحذر كلَّ الحذر مَنْ حمّله ﷲ هذه الأمانة أنْ يضع شيئاً في غير موضعه أو يصرفه في غير مصرفه، وليجعل نُصب عينيه قول ﷲ تبارك اسمه: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾[البقرة: ١٨١] .
-
كما أنَّ من الجدير بالذكر التحذير كلَّ الحذر مما يقع لأهل الأعمال والأوقاف من كثرة البذخ وقلة الإنتاج، وتغليب جانبِ الترفيهِ والدعة على جانبِ العلم والتربيةِ فتفوت الأموال على غير نتاجٍ، أو نتاجٍ لا يكادُ يكون له ذكرٌ، فتتلف المصالح وتفنى المقاصد .
-
ومما ينبغي التنبه له الاستفادةُ من أهل الخبرات السابقة، سواء بعقد الملتقيات معهم أو بجلب النُّخب منهم حتى تتلاقح الأفكار وتتكامل الآراء.
-
ومنها الحرص على اتباع المناهج التعليمية الواضحة للسير عليها سواءً للمعلم والطالب، والأخذ بالسلم العلمي المتبع عند أهل العلم.
-
الرفق بالموظفين والقائمين على الهيئات التعلمية ، والبعد عن الصرامة معهم، لا سيَّما في الأمور التي تتسم بالسعة، وتنضوي تحت اليسر، والابتعاد عن الغلو والتعصب فالمناهج أقرب ما تكون إلى الاجتهاد، وليكن قول رسول ﷲ ﷺ نُصب عين من حمّله ﷲ ﷻ أمانة المسؤولية والنَّظر في هذه الجهات مع إخوانه العاملين وخاصة المعلمين من أهل القرآن (ولا تُكلِّفوهم ما يَغلِبُهم، فإنْ كَلَّفتُموهم فأعينُوهم ) فهم أولى بهذه الوصية، فلا يجوز استعباد النَّاس واستغلال ظروفهم خاصةً في حال ضعفهم، فـ(إنَّ من إجلال ﷲ ﷻ إكرام حامل القرآن) كما روي عن رسول ﷲ ﷺ .
-
ومنها الكفاية المالية لأهل العلم القائمين على تعليم النشأ، وإخراج الجيل بصورة حسنةٍ، والابتعاد عن التقتير عليهم، ومراعاة أحوالهم بإعطائهم ما يُغنيهم، ويَكفيهم ومن يعيلونهم، كي يحصل منهم التفرّغ للقيام بواجبهم تجاه أمتهم من الاعتناء بأبنائها، وممّا ينبغي البعد عنه ممارسة مظاهر التمنُّن عليهم ، بما يُعطونه من حقوقهم الواجبة .
-
ومنها البعد عن حظوظ النَّفس، والحذر من مكامنها، وتغليب الجانب المصلحي العام ، على المصالح الخاصة بدعوى إبراز الشخصيات، وفرض الآراء، والتحلّي بسعة الصدر وسماحة القلب، وجانب العفو واللين.
-
وأخيراً أختم بمناشدةٍ لكلِّ من ولّاه ﷲ ﷻ شأناً من شؤون هذه الأمة، أو منصباً أنْ يرفق بهم، ويُيَسِّرَ القيام بهذه الأمور ويسهلها لهم، وأنْ يتقيَ ﷲ، ويعين على البرِّ والتقوى، ويسعى في نشر الخير، ففي ذلك صلاح الرعيّة.