أقرب ما يكون العبد من ربه: شرح حديث السجود

١٨ رمضان ١٤٤٧ هـ 3 دقائق علوم الحديث

يتناول هذا المقال شرح الحديث النبوي الشريف: "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد"، مع التعريف برواة السند وبيان أسباب قرب العبد من ربه في حال السجود، مع استخلاص الفوائد التربوية والروحية التي تعين المسلم على استغلال هذه اللحظات في الدعاء والتضرع إلى الله تعالى.

عظّم في ركوعك في صلاتك ؛ لتعظمه في حياتك كلها

قال مسلم في صحيحه : [472] وَحَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ وَعَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ، عَنْ سُمَيٍّ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا صَالِحٍ ذَكْوَانَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ؛ فَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ».

الشرح والبيان

المعنى الإجمالي :

قوله : ( وَحَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ ) هو هارون بن معروف ، أبو علي الخزاز الضرير المروزي ، نزيل بغداد ، قال عنه ابن معين والعجلي وأبو زرعة وأبو حاتم وصالح بن محمد : ثقة ، وقال ابن قانع : ثقة ثبت ، قال أبو داود : سمعت الثقة يقول : قال هارون بن معروف : ( رأيت في المنام قيل لي : من آثر الحديث على القرآن عذّب ، قال : فظننت أنّ ذهاب بصري من ذلك ) ، له في هذا الكتاب (33) حديثاً ، ومات سنة 231 في رمضان .

( وَعَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ ) هو عمرو بن سوّاد بن الأسود بن عمرو بن محمد العامري السرحي ، أبو محمد البصري ، وثقه أهل العلم ، ومات سنة (245) .

( قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ ) هو عبدالله بن وهب بن مسلم القرشي ، مولاهم ، أبو محمد المصري الفقيه ، مات سنة 197 .

( عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ ) هو عمرو بن الحارث بن يعقوب بن عبدالله الأنصاري ، مولى قيس ، أبو أمية المصري ، أصله مدني ، ثقة فقيه حافظ ، وثقه ابن سعد وابن معين وأبو زرعة والنسائي والعجلي ، وقال ابن حبان في الثقات : كان من الحفاظ المتقنين ومن أهل الورع في الدين ، مات سنة (148) .

( عَنْ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ ) هو عمارة بن غزية بن الحارث بن عمرو الأنصاري النجاري المازني المدني ، لا بأس به ، قال أحمد وأبو زرعة : ثقة ، وقال يحيى بن معين : صالح ، وقال أبو حاتم : ما بحديثة بأسٌ كان صدوقاً ، وقال محمد بن سعد : كان ثقة كثير الحديث توفي سنة أربعين ومائة .

( عَنْ سُمَيٍّ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ ) هو سمي مولى أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ، ثقة ، مات سنة (130) .

(أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا صَالِحٍ ذَكْوَانَ ) هو ذكوان السمّان الزيّات المدني ، مولى جويرية بنت الأحمس الغطفاني ، شهد الدار زمن عثمان رَضِيَ اللّٰهُ عَنْهُ ، مات سنة 101 ، وكان من أثبت الناس في أبي هريرة رَضِيَ اللّٰهُ عَنْهُ .

( يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ» ) وقد ذكر أهل العلم أموراً تبيّن سبب كون العبد قريباً من ربه في السجود ، ومن ذلك قولهم : ( وإنما كان العبد أقرب إليه تعالى في حال سجوده من سائر أحوال الصلاة وغيرها ؛ لأنّ العبد بقدر ما يَبعُد عن حظوظ نفسه بمخالفتها يقرب من ربه ، والسجود فيه غاية التواضع ، وترك الكبر ، وكسر النفس ؛ لأنّها لا تأمر صاحبها بالمذلة ، ولا ترضى بها ، ولا بالتواضع ، فإذا سجد فقد خالف نفسه ، وبعُد عنها ، فإذا بعُد عنها قرُب من ربّه ) ؛ قال : ( فَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ ) أي : أكثروا من طلب حوائجكم في هذا الموضع ، حيث يكون القرب من تعالى الذي يسمع من يدعوه ، ويستجيب لمن يناجيه ، فالواجب على المؤمن الموفق أنْ يكثر من سؤال تعالى من خيري الدنيا والآخرة ، عسى أنْ يستجيب له .

من فوائد الحديث :

  1. في الحديث دليل على فضل السجود ؛ لما فيه من القرب من سبحانه وتعالى .
  2. من دلائل كون العبد موفقاً أنْ يرزقه الحرص على اغتنام مواطن الخيرات ، فلا يفوّتها ، ومن ذلك أنْ يكثر في السجود من سؤال تعالى من خيري الدنيا والآخرة ؛ لكونه موطن إجابة ، كما جاء في قول الصادق المصدوق .
  3. ينبغي على العبد أنْ يتعلّم معاني الصلاة ، فإذا تعلّم ذلك فإنَّه سيعلم ما يكون في سجوده من التواضع والانكسار لرب العزة والجلال ، فإذا استحضر ذلك ودعا ربه ، وهو على هذه الحالة فإنَّ لا يردّ دعاءه .
  4. إذا أحبّ عبده حبّب إليه الإكثار من السجود ؛ لأنَّ تعالى لا يختار لقربه إلا من أحبّه.