أهمية الإسناد في حفظ الدين

15 رجب 1445 9 دقائق علوم الحديث

مقال يسلط الضوء على دور علماء الأمة في حفظ السنة النبوية من خلال تتبع الأسانيد ونقد الرجال، وكيف خص الله هذه الأمة بهذه الخصيصة.

أهمية الإسناد في حفظ الدين

جعل المحدِّثون الإسنادَ أصلاً لقبول الحديث؛ فلا يُقبل الحديث إذا لم يكن له إسنادٌ نظيف، أو له أسانيد يتحصَّل من مجموعها الاطمئنان إلى أن هذا الحديث قد صدر عمَّن يُنسب إليه. فهو أعظم وسيلة استعملها المحدِّثون من لدن الصحابة رضي الله عنهم إلى عهد التدوين كي ينفوا الخبث عن حديث النبي ، ويُبعدوا عنه ما ليس منه. وقد تكفل الله بحفظ الوحي فقال: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر: 9].

إن الله سبحانه وتعالى شرَّف هذه الأمة بشرف الإسناد، ومنَّ عليها بسلسلة الإسناد واتصاله، فهو خصيصةٌ فاضلة لهذه الأمة، وليس لغيرها من الأمم السابقة. وقد أسند الخطيب في كتاب “شرف أصحاب الحديث” إلى محمد بن حاتم بن المظفر قال:

إن الله أكرم هذه الأمة وشرَّفها وفضَّلها بالإسناد، وليس لأحد من الأمم كلها، قديمهم وحديثهم إسناد، وإنما هي صحف في أيديهم، وقد خلطوا بكتبهم أخبارهم، وليس عندهم تمييز بين ما نزل من التوراة والإنجيل مما جاءهم به أنبياؤهم، وتمييز بين ما ألحقوه بكتبهم من الأخبار التي أخذوا عن غير الثقات. وهذه الأمة إنما تنصّ الحديث من الثقة المعروف في زمانه المشهور بالصدق والأمانة عن مثله حتى تتناهى أخبارهم، ثم يبحثون أشد البحث حتى يعرفوا الأحفظ فالأحفظ، والأضبط فالأضبط، والأطول مجالسةً لمن فوقه ممن كان أقل مجالسةً. ثم يكتبون الحديث من عشرين وجهاً وأكثر حتى يهذبوه من الغلط والزلل، ويضبطوا حروفه ويعدّوه عداً. فهذا من أعظم نعم الله تعالى على هذه الأمة.

وقال أبو علي الجياني: خصَّ الله تعالى هذه الأمة بثلاثة أشياء لم يُعطها من قبلها من الأمم: الإسناد، والأنساب، والإعراب.

وقال الحاكم النيسابوري: فلولا الإسناد وطلب هذه الطائفة له، وكثرة مواظبتهم على حفظه، لدرس منار الإسلام، ولتمكَّن أهل الإلحاد والبدع فيه بوضع الأحاديث وقلب الأسانيد؛ فإن الأخبار إذا تعرَّت عن وجود الأسانيد فيها كانت مبتورة.

ثم ساق قصة الزهري مع ابن أبي فروة، وفيها قول الزهري: قاتلك الله يا ابن أبي فروة، ما أجرأك على الله! ألا تُسند حديثك؟ تحدِّثنا بأحاديث ليس لها خُطُم ولا أزمَّة.

هكذا أدرك المحدِّثون منذ الصدر الأول ما للإسناد من أهمية بالغة في الصناعة الحديثية؛ إذ هو دعامتها الأساسية ومرتكزها في أبحاث العدالة والضبط. وكذلك أدركوا أنه لا يمكن نقد المتن نقداً صحيحاً إلا من طريق البحث في الإسناد، ومعرفة حلقات الإسناد والرواة النقلة؛ فلا صحة لمتن إلا بثبوت إسناده.

وأعظم مثال على اهتمام المسلمين بالإسناد ما ورثوه لنا من التراث الضخم، وما سخَّروه للإسناد من ثروة علمية في كتب الرجال. والبحث في الإسناد مهم جداً في علم الحديث من أجل التوصل إلى معرفة الحديث الصحيح من غير الصحيح؛ إذ كلما ازدادت الحاجة اشتد نظام المراقبة.

فعندما انتشر الحديث بعد وفاة النبي اشتد الاهتمام بنظام الإسناد، وعندما بدأ السهو والنسيان يظهران كثر الالتجاء إلى مقارنة الروايات، حتى أصبح هذا المنهج مألوفاً معروفاً عند المحدِّثين؛ إذ لا يمكن الوصول إلى النص السليم القويم إلا عن طريق البحث في الإسناد، والنظر والموازنة والمقارنة فيما بين الروايات والطرق.

ومن هنا ندرك سر اهتمام المحدِّثين به؛ إذ جالوا في الآفاق ينقِّرون في إسناد، أو يقفون على علة، أو متابعة، أو مخالفة. وكتاب “الرحلة في طلب الحديث” للخطيب البغدادي شاهدٌ على ذلك.

وتداول الإسناد وانتشاره معجزة من المعجزات النبوية التي أشار إليها المصطفى في قوله: تسمعون ويُسمع منكم ويُسمع ممن يسمع منكم [أخرجه أبو داود].

ثم إن للإسناد أهمية كبيرة عند المسلمين وأثراً بارزاً؛ وذلك لما للأحاديث النبوية من منزلة عظيمة، إذ الحديث النبوي الشريف ثاني أدلة أحكام الشرع. ولولا الإسناد واهتمام المحدِّثين به لضاعت علينا سنة نبينا صلى الله عليه وسلم، ولاختلط بها ما ليس منها، ولما استطعنا التمييز بين صحيحها وسقيمها.

إذن فغاية دراسة الإسناد والاهتمام به هي معرفة صحة الحديث أو ضعفه؛ فمدار قبول الحديث غالباً على إسناده. قال القاضي عياض:

اعلم أولاً أن مدار الحديث على الإسناد؛ فيه تتبين صحته ويظهر اتصاله.

وقال ابن الأثير: اعلم أن الإسناد في الحديث هو الأصل، وعليه الاعتماد، وبه تُعرف صحته وسقمه.

وقال سفيان الثوري: الإسناد سلاح المؤمن؛ إذا لم يكن معه سلاح فبأي شيء يقاتل؟

وقال شعبة بن الحجاج: إنما يُعلم صحة الحديث بصحة الإسناد.

وقال عبد الله بن المبارك: الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء.

وعلى هذا فالإسناد لا بد منه حتى لا يُضاف إلى النبي <span class=“honorific”ﷺ ما ليس من قوله. ولهذا جعل المحدِّثون الإسناد أصلاً لقبول الحديث، فلا يُقبل الحديث إذا لم يكن له إسناد نظيف، أو أسانيد يحصل من مجموعها الاطمئنان إلى صدوره عمَّن يُنسب إليه.

وقد اهتم المحدِّثون ـ كما اهتموا بالإسناد ـ بجمع أسانيد الحديث الواحد؛ لما لذلك من أهمية في ميزان النقد الحديثي. فجمع الطرق كفيل ببيان الخطأ إذا صدر من بعض الرواة، وبذلك يتميز الإسناد الجيد من الرديء.

وقال علي بن المديني: الباب إذا لم تُجمع طرقه لم يتبين خطؤه.

وقال الإمام أحمد بن حنبل: الحديث إذا لم تُجمع طرقه لم تفهمه، والحديث يفسر بعضه بعضاً.

وقال الحافظ أبو زرعة العراقي: الحديث إذا جُمعت طرقه تبين المراد منه، وليس لنا أن نتمسك برواية ونترك بقية الروايات.

ويُعرف بجمع الطرق أيضاً الحديث الغريب متناً وإسناداً، وهو الذي تفرد به الصحابي أو تفرد به راوٍ دون الصحابي، ومن ثم يُعرف هل المتفرد عدل أو مجروح. فتكرار الأسانيد لم يكن عبثاً، وإنما له مقاصد وغايات يعلمها المشتغلون بهذه الصنعة.

وقال الإمام مسلم في ديباجة كتابه “الجامع الصحيح”: وإنا نعمد إلى جملة ما أُسند من الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فنقسمها على ثلاثة أقسام وثلاث طبقات من الناس على غير تكرار، إلا أن يأتي موضع لا أستغني فيه عن ترداد حديث فيه زيادة معنى أو إسناد يقع إلى جنب إسناد لعلة تكون هناك؛ لأن المعنى الزائد في الحديث المحتاج إليه يقوم مقام حديث تام، فلابد من إعادة الحديث الذي فيه ما وصفنا من الزيادة…

المصادر والاستشهادا ت

استشهاد قرآني

  • إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ - الحجر: 9

استشهاد حديثي

  • - أخرجه أبو داود (3659)، وصححه ابن حبان.
  • المصادر

    • شرف أصحاب الحديث للخطيب البغدادي، ص 41.
    • تقييد العلم للخطيب البغدادي، ص 167.
    • الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي (2/212، 213).
    • معرفة علوم الحديث للحاكم النيسابوري، ص 6.
    • الرحلة في طلب الحديث للخطيب البغدادي، تحقيق: نور الدين عتر.
    • الإلماع إلى معرفة أصول الرواية للقاضي عياض، ص 70.
    • جامع الأصول لابن الأثير (1/107).
    • المحدِّث الفاصل للرامهرمزي، ص 209.
    • طرح التثريب لأبي زرعة العراقي (1/30).
    • مقدمة صحيح مسلم (1/3، 1/15).