التعقب على الشيخ سعود المطيري في فهمه لحديث الصورة

١٨ رمضان ١٤٤٧ هـ 6 دقائق العقيدة

يتناول هذا المقال تعقباً علمياً على الشيخ سعود ذعار المطيري فيما يتعلق بتأويله لحديث تجلي الله في الصورة يوم القيامة. يستعرض المقال أقوال الأئمة كالإمام الدارمي وشيخ الإسلام ابن تيمية، موضحاً الردود العلمية على الاستدلال بحديث الصورة، ومبيناً بطلان نسبة القول بالحلول والاتحاد لشيخ الإسلام ابن تيمية، مع توضيح حقيقة مذهب أهل السنة في هذا الباب ونقض شبهات أهل الكلام.

التعقب على الشيخ الدكتور سعود ذعار المطيري وفقه الله في شرح حديث الصورة .

الحمد لله رب العالمين، والصّلاة والسّلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعه بإحسانٍ إلى يوم الدين، أما بعد:

بيّن الإمام عثمان بن سعيد وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمهم وجميع علماء أهل الإسلام:

قالَ الإمامُ عثمانُ بن سعيدٍ الدارِميُّ (في كتابه النقض على بشر المريسي) : وَلَوْ أَنَّ تَجَلَّى لَهُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فِي صُورَتِهِ الَّتِي عَرَّفَهُمْ صفاتهم فِي الدُّنْيَا لَاعْتَرَفُوا بِمَا عَرَفُوا، وَلم يَنْفِرُوا، وَلَكِنَّهُ يُرِي نَفْسَهُ فِي أَعْيُنِهِمْ، لِقُدْرَتِهِ وَلُطْفِ رُبُوبِيَّتِهِ فِي صُورَة غير من عرّفهم صفاتهم فِي الدُّنْيَا، لِيَمْتَحِنَ بِذَلِكَ إِيمَانَهُمْ ثَانِيَةً فِي الْآخِرَةِ، كَمَا امْتَحَنَ فِي الدُّنْيَا لِيُثْبِتَهُمْ أَنَّهُمْ لَا يَعْتَرِفُونَ بِالْعُبُودِيَّةِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ إِلَّا لِلْمَعْبُودِ الَّذِي عَرَفُوهُ فِي الدُّنْيَا بِصِفَاتِهِ، الَّتِي أَخْبَرَهُمْ بِهَا فِي كِتَابِهِ، وَاسْتَشْعَرَتْهَا قُلُوبُهُمْ حَتَّى مَاتُوا عَلَى ذَلِكَ، فَإِذَا مُثِّلَ فِي أَعْيُنِهِمْ غَيْرُ مَا عَرَفُوا مِنَ الصِّفَةِ نَفَرُوا وَأَنْكَرُوا، إِيمَانًا مِنْهُمْ بِصَفَةِ رُبُوبِيَّتِهِ الَّتِي امْتَحَنَ قُلُوبَهُمْ فِي الدُّنْيَا، فَلَمَّا رَأَى أَنَّهُمْ لَا يَعْرِفُونَ إِلَّا الَّتِي امْتَحَنَ قُلُوبَهُمْ تَجَلَّى لَهُمْ فِي الصُّورَةِ الَّتِي عَرَّفَهُمْ فِي الدُّنْيَا فَآمَنُوا بِهِ وَصَدَّقُوا، وَمَاتُوا، وَبُشِرُوا عَلَيْه، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَحَوَّلَ مِنْ صُورَةٍ إِلَى صُورَةٍ، وَلَكِنْ يُمَثَّلُ ذَلِكَ فِي أَعْيُنِهِمْ بِقُدْرَتِهِ… الخ.

هذا كلام الإمام عثمان بن سعيد الدارمي في حديث (فيأتيهم في صورة غير الصورة التي رأوه فيها أول مرة)

جاء هذا الحديث في صحيح مسلم بلفظ: (ثم يرفعون رؤوسهم وقد تحوّل في صورته التي رأوه فيها أول مرة، فقال: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا).

وجاء في رواية عنده: (أتاهم رب العالمين في أدنى صورة من التي رأوه فيها أول مرة)

وجاء في السنة لابن أبي عاصم: (ثم يتبدى لنا في صورة غير صورته التي رأيناه فيها أول مرة)، وفي رواية عنده أيضا: (ثم يرفع برنا ومسيئنا، وقد عاد لنا في صورته التي رأيناه فيها أول مرة).

قال الشيخ عبدالله الغنيمان في (شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري) ففي هذه الألفاظ بيان صريح بأنهم قد رأوه في صورة عرفوه فيها، قبل أن يأتيهم هذه المرة، وفي ذلك رد لما قاله الإمام أبو سعيد الدرامي - رحمه عنه -، حيث جعل معرفتهم إياه بصفاته التي تعرف بها إليهم في الدنيا. انتهى.

أي: فاستُدُلَّ بمجموع هذه الألفاظ على تفسير المراد من قوله : (فيأتيهم تبارك وتعالى في صورة غير صورته التي يعرفون) وهي بابة قول الإمام أحمد: (الحديث إذا لم تُجمع طرقه لم تفهمه، والحديث يفسر بعضه بعضاً)

قال الشيخ عبدالله الغنيمان: وكذلك قوله [أي: الإمام الدارمي]: إن هذا التحوّل [الوارد في الحديث] من صورة إلى صورة، هو تمثيل يمثله في أعينهم، أما هو - تعالى - فلا يتحول من صورة إلى صورة، وهذا خلاف ما صرّحت به الأحاديث كما ذكرنا . انتهى.

أي: إن فيما مضى ذكره من بعض ألفاظ الروايات فيها رد على ما قرّره الإمام الدارمي لكون تلك الألفاظ صريحة في تقرير معنى آخر، وهو وقوع التحول، وقد قرر هذا المعنى شيخ الإسلام في (بيان تلبيس الجهمية) فقال:

فصلٌ

(وأقرب ما يكون عليه إتيان في صورة بعد صورة وإن كان تأويلاً باطلاً أيضًا ما ذكره بعض أهل الحديث مثل أبي عاصم النبيل وعثمان بن سعيد الدارمي فإنه يروى عن أبي عاصم النبيل أنه كان يقول ذلك تغير يقع في عيون الرائين كنحو ما يُخيل إلى الإنسان الشيء بخلاف ما هو به فيتوهم الشيء على الحقيقة وقال عثمان بن سعيد في نقضه على المريسي…) ثم ذكر قوله وكلامه في المسألة على نحو ما ذكرنا أول هذه الورقات، وزاد. قول الدارمي في خطابه المريسي في رده حديث المجيء، فقال [أي: الدارمي] (إن لا تتغير صورته ولا تتبدل ولكن يمثل في أعينهم يومئذ أولم تقرأ كتاب ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا [الأنفال 44] وهو الفعال لما يشاء كما مثل جبريل عليه السلام مع عظم صورته وجلالة خلقه في عين رسول في صورة دحية الكلبي وكما مثله لمريم بشرًا سويًّا وهو ملك كريم في صورة الملائكة وكما شبه في أعين اليهود أن قالوا ﴿إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ [النساء 157] فقال ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ

وبعد أن عرض كلام الدارميّ وغيره علَّق فقال: وهذا أيضًا باطل من وجوه: أحدها أن في حديث أبي سعيد المتفق عليه (فيأتيهم في صورة غير صورته التي رأوه فيها أول مرة) وفي لفظ (في أدنى صورة من التي رأوه فيها) وهذا يفسر قوله في حديث أبي هريرة (فيأتيهم في صورة غير صورته التي يعرفون)، ويبين أن تلك المعرفة كانت لرؤية منهم متقدمة في صورة غير الصورة التي أنكروه فيها، وفي هذا التفسير قد جعل صورته التي يعرفون هي التي عرَّفهم صفاتها في الدنيا وليس الأمر كذلك لأنه أخبر أنها الصورة التي رأوه فيها أول مرة لا أنهم عرفوها بالنعت في الدنيا ولفظ الرؤية صريح في ذلك وقد بينا أنه في غير حديث مما يبين أنهم رأوه قبل هذه المرة.

الوجه الثاني أنهم لا يعرفون في الدنيا لله صورة ولم يروه في الدنيا في صورة فإن ما وصف تعالى به نفسه ووصفه به رسوله لا يوجب لهم صورة يعرفونها، ولهذا جاء في حديث آخر أنه ليس كمثله شيء فلو كانوا أرادوا الصفات المخبر بها في الدنيا لذكروا ذلك فعلم أنهم لم يطيقوا وصف الصورة التي رأوه فيها أول مرة وقد قال النبي في سدرة المنتهى (فغشيها من أمر ما غشيها حتى لا يستطيع أحد أن ينعتها من حسنها) ف أعظم من أن يستطيع أحد أن ينعت صورته وهو سبحانه وصف نفسه لعباده بقدر ما تحتمله أفهامهم ومعلوم أن قدرتهم على معرفة الجنة بالصفات أيسر ومع هذا فقد قال: (أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر) فالخالق أولى أن يكونوا لا يطيقون معرفة صفاته كلها.

الوجه الثالث أن في حديث أبي سعيد فيرفعون رؤوسهم وقد تحول في الصورة التي رأوه فيها أول مرة فقوله لا يتحول من صورة إلى صورة ولكن يمثل ذلك في أعينهم مخالفة لهذا النص.

الوجه الرابع أن في حديث ابن مسعود وأبي هريرة من طريق العلاء أنه يمثل لكل قوم ما كانوا يعبدون وفي لفظ أشباه ما كانوا يعبدون ثم قال يبقى محمد وأمته فيتمثل لهم الرَّب تبارك وتعالى فيأتيهم فيقول مالكم لا تنطلقون كما انطلق الناس فيقولون إن لنا إلهًا ما رأيناه بعد فقد أخبر أن تعالى هو الذي تمثل لهم ولم يقل مُثِّل لهم كما قال في معبودات المشركين وأهل الكتاب.

الوجه الخامس أن في عدة أحاديث كحديث أبي سعيد وابن مسعود قال هل بينكم وبينه علامة فيقولون نعم فيكشف عن ساقه فيسجدون له وهذا يبين أنهم لم يعرفوه بالصفة التي وصف لهم في الدنيا بل بآية وعلامة عرفوها في الموقف وكذلك في حديث جابر قال فيتجلى لنا يضحك ومعلوم أنه وإن وصف في الدنيا بالضحك فذاك لا يعرف صورته بغير المعاينة.

الوجه السادس : أن تمثيله ذلك بقوله ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا [الأنفال 44] وبقوله ﴿شُبِّهَ لَهُمْ [النساء 157] لا يناسب تشبيهه بمجيء جبريل في صورة دحية والبشر وذلك أن اليهود غلطوا في الذي رأوه فلم يكن هو المسيح ولكن ألقى شبهه عليه والذي رأته مريم ومحمد هو جبريل نفسه ولكن في صورة آدمي فكيف يقاس ما رئي هو نفسه في صورة على ما لم يره هو وإنما ألقي شبهه على غيره وأما التقليل والتكثير في أعينهم بالمقدار ليس هو في نفس المرئي ولكن هو صفة المرئي.

الوجه السابع : أن هذا المعنى إذا قصد كان مقيدًا بالرائي لا بالمرئي مثل قوله ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا [الأنفال 44] فقيد ذلك بأعين الرائين يقال كان هذا في عين فلان رجلاً فظهر امرأة وكان كبيرًا فظهر صغيرًا ونحو ذلك لا يقال جاء فلان في صورة كذا ثم تحول في صورة كذا ويكون التصوير في عين الرائي فقط هذا لا يُقال في مثل هذا أصلا. انتهى كلامه رَضِيَ اللّٰهُ عَنْهُ .

ثم رد على من زعم أن هذه الصورة التي تُرى مخلوقة، فقال: فإن قيل فما الفرق بين ما جاء في الحديث وبين القول الذي نقله الأشعري وغيره في مقالات أهل الكلام عن البكرية وأتباع بكر ابن أخت عبد الواحد لما ذكر اختلافهم في الرؤية فقال وقالت البكرية: إن يخلق صورة يوم القيامة يُرى فيها ويكلم خلقه منها. قيل: هؤلاء عندهم أن نفسه لايُرى ولا يكلم عباده ولكن يخلق صورة فيُرى فيها ويكلم خلقه فيها ومعلوم أن هذا ليس هو معنى الحديث وذلك أن هؤلاء لما رأوا بقياس عقولهم أنه لا يرى ورأوا النصوص قد جاءت برؤيته اختلفوا في ذلك على أقوال قال الأشعري وقال قائلون منهم ضرار بن عمرو وحفص الفرد إن لا يرى بالأبصار ولكن يخلق لنا يوم القيامة حاسة سادسة غير حواسنا هذا فندركه بها وندرك ما هو بتلك الحاسة. قلت: وهذا في رؤيته نظير ما يقوله طائفة من الكلابية والأشعرية أن كلامه لا يسمع بهذه الحاسة ولكن يخلق في العبد لطيفة أو يقولون حاسة أخرى يسمع بها كلامه وهذا قول من يجوز منهم سماع كلامه وآخرون منهم لا يُجوِّزون سماع كلامه كما أن في أولئك من لا يُجوِّز رؤيته بحال قال الأشعري وقالت البكرية إن يخلق صورة يوم القيامة يُرى فيها ويُكلِّم خلقه فيها وقال الحسين النجار إنه يجوز أن تعالى يحول العين إلى القلب ويجعل لنا قوة العلم فيعلم بها ويكون العلم رؤية له أي علمًا له وقد ذهب إلى نحو هذه التأويلات طائفة من الصِّفاتيَّة من الأشعرية المتأخرين ونحوهم كما يُذكر في موضعه.

وهذا القول من شيخ الإسلام رحمه الله يبين خطأ الشيخ المطيري، الذي ظنَّ أن شيخ الإسلام يقول : (إن يحل بصورة، وأن هذا دليل أهل الحلول) وهذا إنما يقال: حين يظن الظان أن شيخ الإسلام يرى أن الصورة التي يأتي بها تعالى مخلوقة ثم يحل فيها، وهذا من الجهل على شيخ الإسلام بمكان ومن قرأ ما قاله في هذه المسألة، ويعي كلامه على معناه –مع ظهوره- فإنه يهدم هذا الفهم ويزيل هذا الزيغ. ثم من طالع كلامه في حديث : (إن خلق آدم على صورته) علم كيف أطال وأطاب رحمة عليه، فلا يجوز التسرع في اتهام أهل العلم، بأن تقريراتهم تخدم الكفرة من الحلولية والاتحادية وغيرهم، وهو الهادم لمذهبهم، ومن بعده –كما هو معلوم- عالة عليه. وقد جاء عنه الرد على الاتحادية والحلولية وبيان معنى ذلك وحقيقته في غير موضع من كتبه: قال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه تعالى في رده على الاتحادية: (الخالق والمخلوق إذا اتحدا، فإن كانا بعد الاتحاد اثنين ـ كما كان قبل الاتحاد ـ فذلك تعدد وليس اتحاد، وإن كانا استحالا إلى شيء ثالث كما يتحد الماء واللبن والنار والحديد … لزم من ذلك أن يكون الخالق قد استحال وتبدلت حقيقته كسائر ما يتحد مع غيره فإنه لابد أن يستحيل، وهذا ممتنع على منزه عنه، لأن الاستحالة تقتضي عدم ما كان موجودًا، والرب تعالى واجب الوجود بذاته، وصفاته اللازمة له صفات كمال، فعدم شيء منها نقص يتعالى عنه.. وقال رحمه : في الرد على أصحاب وحدة الوجود: هذه الأعيان المعدومة الثابتة في العدم هل خلقها وجعلها موجودة بعد أن كانت معدومة؟ أم لم يخلقها فلا تزال معدومة؟ فإن كان الأول: امتنع أن تكون هي إياه، لأن لم يكن معدومًا فيوجد. وإن كان الثاني: وجب أن لا يكون شيء لم يكن موجودًا وهذا تبطله المشاهدة والعقل والشرع، ولا يقوله عاقل، ولا يقبله عقل.

وقال: (ولهذا اتفق أئمة المسلمين على أن الخالق بائن من مخلوقاته ليس في مخلوقاته شيء من ذاته، بل الرب رب والعبد عبد ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (93) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (94) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا).